محمد الريشهري

136

كنز الدعاء

أمرَهُ إلَيكَ ، وتَوَكَّلتُ في شَأنِهِ عَلَيكَ ، وتَوَعَّدتُهُ بِعُقوبَتِكَ ، وحَذَّرتُهُ بِبَطشِكَ ، وخَوَّفتُهُ نَقِمَتَكَ ، فَظَنَّ أنَّ حِلمَكَ عَنهُ مِن ضَعفٍ ، وحَسِبَ أنَّ إملاءَكَ لَهُ مِن عَجزٍ ، ولَم تَنهَهُ واحِدَةٌ عَن أخرى ، ولَا انزَجَرَ عَن ثانِيَةٍ بِاولى ، لكِنَّهُ تَمادى في غَيِّهِ ، وتَتابَعَ في ظُلمِهِ ، ولَجَّ في عُدوانِهِ ، وَاستَثرى في طُغيانِهِ ؛ جُرأَةً عَلَيكَ يا سَيِّدي ومَولايَ ، وتَعَرُّضاً لِسَخَطِكَ الَّذي لا تَرُدُّهُ عَنِ الظّالِمينَ ، وقِلَّةَ اكتِراثٍ بِبَأسِكَ الَّذي لا تَحبِسُهُ عَنِ الباغينَ . فَها أنَا ذا يا سَيِّدي مُستَضعَفٌ في يَدِهِ ، مُستَضامٌ تَحتَ سُلطانِهِ ، مُستَذَلٌّ بِفِنائِهِ ، مَغصوبٌ مَغلوبٌ مَبغِيٌّ عَلَيَّ ، مَرعوبٌ وَجِلٌ خائِفٌ مُرَوَّعٌ مَقهورٌ ، قَد قَلَّ صَبري ، وضاقَت حيلَتي ، وَانغَلَقَت عَلَيَّ المَذاهِبُ إلّاإلَيكَ ، وَانسَدَّت عَنِّي الجِهاتُ إلّاجِهَتُكَ ، وَالتَبَسَت عَلَيَّ أموري في دَفعِ مَكروهِهِ عَنّي ، وَاشتَبَهَت عَلَيَّ الآراءُ في إزالَةِ ظُلمِهِ ، وخَذَلَني مَنِ استَنصَرتُهُ مِن خَلقِكَ ، وأَسلَمَني مَن تَعَلَّقتُ بِهِ مِن عِبادِكَ ، فَاستَشَرتُ نَصيحي فَأَشارَ عَلَيَّ بِالرَّغبَةِ إلَيكَ ، وَاستَرشَدتُ دَليلي فَلَم يَدُلَّني إلّاإلَيكَ ، فَرَجَعتُ إلَيكَ يا مَولايَ صاغِراً راغِماً مُستَكيناً ، عالِماً أنَّهُ لا فَرَجَ لي إلّاعِندَكَ ، ولا خَلاصَ لي إلّابِكَ ، أنتَجِزُ وَعدَكَ في نُصرَتي وإجابَةِ دُعائي ؛ لِأَنَّ قَولَكَ الحَقُّ الَّذي لا يُرَدُّ ولا يُبَدَّلُ ، وقَد قُلتَ تَبارَكتَ وتَعالَيتَ : « ومَن بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ » « 1 » ، وقُلتَ جَلَّ ثَناؤُكَ وتَقَدَّسَت أسماؤُكَ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 2 » ، فَها أنَا ذا فاعِلٌ ما أمَرتَني بِهِ ، لا مَنّاً عَلَيكَ ، وكَيفَ أمُنُّ بِهِ وأَنتَ عَلَيهِ دَلَلتَني ! فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وَاستَجِب لي كَما وَعَدتَني ، يا مَن لا يُخلِفُ الميعادَ . وإنّي لَأَعلَمُ يا سَيِّدي أنَّ لَكَ يَوماً تَنتَقِمُ فيهِ مِنَ الظّالِمِ لِلمَظلومِ ، وأَتَيَقَّنُ أنَّ لَكَ وَقتاً تَأخُذُ فيهِ مِنَ الغَاصِبِ لِلمَغصوبِ ، لِأَنَّكَ لا يَسبِقُكَ مُعانِدٌ ، ولا يَخرُجُ مِن قَبضَتِكَ مُنابِذٌ ، ولا تَخافُ فَوتَ فائِتٍ ، ولكِنَّ جَزَعي وهَلَعي لا يَبلُغانِ الصَّبرَ عَلى أناتِكَ وَانتِظارَ حِلمِكَ ،

--> ( 1 ) . إشارة إلى مضمون الآية الكريمة 60 من سورة الحجّ ، وهي : « . . . ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ . . . » . ( 2 ) . غافر : 60 .